رؤية اجتماعية لصوم (ئيزي)عند الإيزيديين في بعشيقة
الباحث نون حسين نون
010 شباط, 2026
صوم (ئيزي) يُعَدّ فريضة على من يستطيع الصيام من ابناء المجتمع الإيزيدي، ويتكون من ثلاث أَيَّام ويكون في أَيَّام الثلاثاء والأربعاء والخميس وتعدُ اقصر ثلاث أَيَّام في السنة و يكون غالبا في منتصف شهر ديسمبر من كل سنة الَّتي يمتنع فيه الصائم عن الاكل و الشرب و عن كافة ملذات الحياة, ووقت الصيام يكون من شروق الشمس حتى غروبها, ويصادف العيد يوم الجمعة الأُولى من شهر كانون الأَوَّل الشرقي، ويكون الصيام لوجه الله تعالى والتقرب من الله وعلى اعتبار أَنَّ هذا الصيام هو فرصة لإنارة النفس و ازالة الظلام الداخلي ودفع الفرد نحوا الاصلاح و الخير.
كما إن في فلسفة أَو ايدلوجية الدين الإِيزيدي وبحسب معتقداتهم يصوم الإِيزيديين في هذه الأَيَّام على عَدَّها اقصر ثلاث أَيَّام في السنة وذلك باعتقاد الإِنسان سابقا بأَنَّ الظلام سيعم على الكون وذلك عندما لاحظ الانسان قصر نهار هذه الثلاث أَيَّام فقام بالصيام لله ترجيا منه ان يزول الظلام ويحل النور محله فصام ثلاثة أَيَّام و عيد في اليوم الرابع ويكون عيد انقلاب الشتوي على اعتبار النهار يبدأ بالازدياد، اعتبارا من هذا اليوم إِلى أَن تتساوى في يوم ٢١ آذار ومن ثُمَّ فإِنَّ الإِيزيديون يحتفلون في اليوم الرابع (يوم العيد) ابتهاجاُ نزول الليل (الظلام)، وقدوم النهار (النور) تدريجياً( 1).
وإن الصيام عند الإيزيديين لا يقتصر على كونه ممارسة دينية فحسب وانما يأخذ بعداً اجتماعياً واضحاً ينعكس على حياة الفرد والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. كما يشكل منظومة اجتماعية متكاملة تعبّر عن أنماط التفاعل الجماعي، وتقوية الروابط القرابية، وإعادة إنتاج القيم الثقافية داخل المجتمع. حيثُ ارى في مدينة بعشيقة، منذ الأيام التي تسبق الصيام، تبدأ الاستعدادات التي تتخذ طابعاً جماعياً واضحاً، حيث يضطلع الرجال بدورهم في توفير مستلزمات المنزل، فيما تتجسد الأدوار النسوية في ممارسات تعاونية تعكس روح التضامن الاجتماعي. إذ تجتمع النساء في أحد المنازل لإعداد حلويات الكليجة، وهي من المعجنات التقليدية المشتركة بين مختلف مكونات المجتمع العراقي في الأعياد والمناسبات، حيث يتم العمل بنظام تداولي؛ إذ يُخصص كل يوم لمنزل معيّن، إلى أن تُنجز حلوة الكليجة لجميع البيوت المشاركة. وبعد الانتهاء منها، تعود النساء للاجتماع مجدداً لإعداد اكلة الكبة، وسط أجواء من الفرح والأهازيج الشعبية، حيث تشكّل هذه اللقاءات فضاءً اجتماعياً لتبادل الأحاديث وتعزيز العلاقات النسوية، وتُنجز هذه التحضيرات غالبًا قبل ايام من بدء الصيام.
كما يتم تقديم القربان النذور كل من حسب امكانيته، وزيارة القبور قبيل حلول الصيام بيوم أو يومين، وايضاً تشهد المنازل طقوس التنظيف الشامل، وهو سلوك رمزي بوصفه استعداداً جسدياً ومكانياً للدخول في زمن مقدّس مختلف عن الزمن اليومي الاعتيادي. ومع حلول مساء يوم الاثنين، تبدأ التجمعات الاجتماعية؛ إذ يجتمع الرجال في المقاهي أو المنازل على شكل مجموعات لتبادل الأحاديث وممارسة بعض الألعاب الشعبية التقليدية مثل المحيبس، في حين تتجمع النساء في المنازل بصورة مستمرة، في تجلٍّ واضح لديناميكيات التواصل الاجتماعي وتعزيز الروابط النسوية داخل المجتمع.
وفي ساعات الفجر الأولى من يوم الثلاثاء، وتحديداً قرابة الثالثة صباحاً، تبدأ طقوس السحور، حيث تتنوع الأطعمة بين الخفيفة والدسمة، مثل البرغل والرز والحوم، والابان والاجبان ويعقبها الدعاء إيذانًا ببدء الصيام. وخلال النهار، يسود الهدوء النسبي، فيما تبدأ النساء في فترة الظهيرة بالتحضير لوجبة الإفطار، بينما يتجمع الشباب في مجموعات لزيارة المزارات الدينية، حيث تتقاطع الممارسة الدينية مع التفاعل الاجتماعي وتبادل التهاني, ويتكرر هذا النسق الاجتماعي طوال أيام الصيام.
وفي منطقة بعشيقة، يلاحظ وجود نمط شبه موحد لوجبات الإفطار(غالباً) خلال أيام الصيام الثلاثة، إذ يكون الإفطار في اليوم الأول من الأرز والدجاج ومرق الفاصوليا، وفي اليوم الثاني المشويات، وفي اليوم الثالث اكلة الكبة. وقبيل الإفطار، يتبادل الأهالي الأطعمة فيما بينهم في مشهد يعكس قيم التكافل والمشاركة. وبعد الإفطار بساعات، يتجه الشباب إلى المقاهي، بينما تنشغل العائلات بزيارة الأقارب، ويتكرر هذا النسق الاجتماعي ايضاً طوال أيام الصيام.
بعد ثلاث أَيَّام من الصيام يكون اليوم الرابع العيد؛ إِذ يأتي هذا العيد (عيد ايزي) أَو عيد الصيام في يوم الجمعة, ويستقبل الإِيزيديَّة هذا العيد بكل سرور و ابتهاج بعد ادائهم واجباً دينياً مقدساً وهو الصيام لأجل الله، ففي يوم العيد في الصباح الباكر يتم عزف ايقاع (المحتل) على الات الطبل و الزرناية والتي تعد احد الآلات الموسيقية الشعبية في احد المراقد والمزارات الدينية كما يقوم الأَفراد على هيئة مجاميع بزيارة مراقد الاولياء الصالحين في مناطقهم ويقول رجال الدين القوال الدينة ويعايد بعضهم بعضاً ويقدّمون التعازي للأسر التي فقدت أحد أفرادها. ومن ثم زيارة المنازل التي استعدت لاستقبال العيد بتهيئة مستلزماته من ملبس و مأكل وحلويات...، ويُلاحظ خلال العيد مشاركة أفراد من المكوّنات الدينية الأخرى، ولا سيّما المسيحيين والمسلمين، في تقديم التهاني والتبريكات للإيزيديين ومشاركتهم أجواء هذه المناسبة، وهو ما يجسّد مستوىً متقدّمًا من السلم الاجتماعي ويعكس درجة عالية من التماسك والتعايش الاجتماعي بين مكوّنات المجتمع. وبعد الانتهاء من تقديم التهاني بمناسبة العيد لكافة بيوت الأَقارب والأَصدقاء غالباً ما يجتمع الرجال داخل منطقتهم لتبادل التهنئة بمناسبة العيد وغالبا تتم مصالحة المتخاصمين إن وجدت في هذا التجمع، أَمَّا في ما يخص النساء تقوم بمعايدة الجيران والأقارب، وينشغلن ايضاً بإعداد الطعام للزوار والمجتمعين في مجلس المنطقة و للرجال عند عودتهم إِلى المنزل في العصر يذهبون إِلى مراقد الأولياء والصالحين و بعدها يتجهون إِلى منازل اهلهم لمعايدتهم و بعدها العودة للمنزل.
وعليه، يمكن القول إن الصيام والعيد في المجتمع الإيزيدي يمثل دوراً اجتماعياً جوهرياً يتجاوز البعد الديني التعبّدي، ليشكّلا مناسبة لإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وتعزيز التماسك الجماعي. فخلال فترة الصيام، يُلاحظ التزام الأفراد بنمط سلوكي جماعي واحد، ما يسهم في خلق شعور بالمشاركة الوجدانية والانتماء الجمعي، الأمر الذي يعزز الإحساس بالهوية المشتركة. اذ يؤدي الصيام في تقوية الروابط الأسرية والقرابية، من خلال التجمعات اليومية، وتبادل الزيارات، وتكثيف التواصل الاجتماعي بين الأقارب والجيران. وتبرز قيم التعاون والتكافل الاجتماعي بشكل واضح عبر تبادل الأطعمة، والمشاركة في التحضيرات الجماعية، ومراعاة الفئات الأضعف داخل المجتمع، وهو ما يعكس منظومة أخلاقية قائمة على التضامن والتعاضد. أما العيد، فيمثل ذروة هذا التفاعل الاجتماعي، إذ يُعد مناسبة لإحياء العلاقات الاجتماعية وتجديدها، وتجاوز الخلافات، وتعزيز السلم الاجتماعي.
المصادر :
1- عز الدين سليم باقسري، مه ركه الإِيزيديَّة الأصل المفاهيم التسمية الطقوس والمراسيم والنصوص الدينيَّة، منشورات مركز لالش الثقافي والاجتماعي، دهوك سلسلة (1)، 2003، ص 156.