المعتقدات والطقوس الدينية في الأعياد لدى الديانات
المسيحية، الإيزيدية، والصابئة المندائية
الباحثة فرح سعيد
4 اذار, 2026
المقدمة
يُعدّ التنوع الديني من أبرز مظاهر الثراء الحضاري في المجتمعات الإنسانية، إذ يعكس تعدد الثقافات والرؤى الفكرية والروحية. وتشكل الديانات المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية جزءًا مهمًا من هذا التنوع، حيث تمتلك كل ديانة منظومة خاصة من المعتقدات والطقوس التي تعبّر عن فهمها للحياة والوجود.
وعلى الرغم من اختلاف هذه الديانات في أصولها وتعاليمها، فإنها تلتقي في دعوتها إلى قيم إنسانية مشتركة مثل السلام، والمحبة، والتسامح، واحترام الإنسان.
وتُعدّ الأعياد الدينية من أبرز المظاهر التي تجسّد هذه المعتقدات والقيم، إذ تمثل مناسبات للتقرب إلى الله، وتجديد الإيمان، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع. وتحتفل كل من المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية بأعياد خاصة بها، تختلف في طقوسها وممارساتها، لكنها تشترك في معاني الفرح، والتكافل، والسلام. ويهدف هذا التقرير إلى التعريف بطقوس الأعياد في هذه الديانات الثلاث، وبيان دلالاتها الدينية والاجتماعية ودورها في ترسيخ التعايش والاحترام المتبادل.
أولاً: الديانة المسيحية
المعتقدات
تؤمن المسيحية بإله واحد خالق السماوات والأرض، وبيسوع المسيح مخلص وفادي البشرية. تعتمد في تعاليمها على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وتدعو من خلال مبادئها الأساسية على المحبة، والسلام، والتسامح، والدعوة إلى الخير.
الطقوس الدينية (الليتورجيا الكنسية)
الليتورجيا هي هوية الكنيسة في الصلاة والتعبير عن إيمانها، وهي الوسيلة التي بها يجتمع الشعب في رحلة نحو الشركة الكاملة مع الله. هذا يشمل مجموعة واسعة من الصلوات، والتعاليم، والأسرار المقدسة (كالمعمودية والقربان المقدس)، التي تؤديها الجماعة بشكل منتظم، وهي تحمل دلالات روحية عميقة.
أبرز الأعياد المسيحية ومعانيها
1- عيد الميلاد المجيد (Christmas)
المناسبة: الاحتفال بميلاد يسوع المسيح في بيت لحم.
الحدث الكتابي: تم الحدث في مدينة داود (بيت لحم)، حيث وُلد المخلص، وهو الحدث الذي بشّر به الملائكة الرعاة. "وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص" (لوقا 2: 1-20).
تاريخ الاحتفال: 25 ديسمبر (حسب التقويم الغريغوري) و7 يناير (حسب التقويم اليولياني).
نبذة: يُعد من الأعياد المهمة، ويتميز بمظاهر الفرح ويعبر عنه من خلال العديد من الرموز الدينية والشعبية مثل وضع شجرة الميلاد، ومغارة العائلة المقدسة، وإقامة القداديس الاحتفالية.
2- عيد الغطاس / الظهور الإلهي (Epiphany)
المناسبة: تذكار معمودية يسوع في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان.
الحدث الكتابي: تم الحدث عند نهر الأردن، حيث اعتمد المسيح، وفي تلك اللحظة انفتحت السموات وسمع الحاضرون صوت الآب يشهد لابنه: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 3: 13-17).
تاريخ الاحتفال: 6 يناير (غريغوري) و19 يناير (يولياني).
نبذة: يرمز إلى إعلان المسيح للعالم، ويرتبط في التقاليد الشعبية بالماء (الغطاس).
3- أحد الشعانين (Palm Sunday)
المناسبة: ذكرى دخول يسوع المسيح إلى مدينة اورشليم.
الحدث الكتابي: يمثل دخول المسيح الاحتفالي إلى مدينة أورشليم راكباً على جحش، حيث استقبله الجموع بفرش أغصان الزيتون والسعف وهتفوا له "مبارك الآتي باسم الرب" (متى 21: 1-11).
تاريخ الاحتفال: الأحد الذي يسبق عيد القيامة.
نبذة: يبتدأ به "أسبوع الآلام"، ويحمل فيه المصلون سعف النخيل في الكنائس.
4- الجمعة العظيمة (Good Friday)
المناسبة: تذكار صلب يسوع المسيح وموته.
الحدث الكتابي: تتضمن أحداث هذا اليوم مراحل آلام المسيح التي بدأت من مساء الخميس في بستان جثسيماني وانتهت بدفنه في القبر. "فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم، وأسلم الروح" (متى 27: 50).
نبذة: يوم صوم وانقطاع، تسوده أجواء الحزن والخشوع، وتُقام فيه صلوات خاصة تتبع مراحل طريق الآلام.
5- عيد القيامة (Resurrection)
المناسبة: الاحتفال بقيامة المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث بعد صلبه.
الحدث الكتابي: تم في اليوم الثالث بعد الصلب، حيث ذهب النسوة إلى القبر فلم يجدن جسد المسيح، وظهر لهن ملاك يعلن أن المسيح قام كما قال. "ليس هو ههنا، لكنه قام" (لوقا 24: 1-12).
تاريخ الاحتفال: الكنائس (الكاثوليكية والبروتستانتية): تعتمد على التقويم الغريغوري (المعدل)، وهو تقويم شمسي يجعل العيد يقع دائماً بين 22 مارس و25 أبريل. الكنائس (الأرثوذكسية): تعتمد على حسابات كنسية تقليدية المرتبطة بالتقويم اليولياني القديم والقمر. وبسبب طبيعة هذه الحسابات، قد يأتي عيد القيامة الشرقي في تاريخ مختلف عن الغربي.
نبذة: هو أعظم الأعياد المسيحية وأقدمها، ويرمز إلى فداء البشرية بموت وقيامة المسيح.
6- عيد الصعود (Ascension Day)
المناسبة: ذكرى صعود يسوع المسيح إلى السماء بعد 40 يوماً من قيامته.
الحدث الكتابي: وقع الحدث بعد قيامة المسيح، حيث خرج بتلاميذه إلى بيت عنيا، وبينما كان يباركهم، انفصل عنهم وأُصعد إلى السماء."وإذ كان يباركهم، فارقهم وأصعد إلى السماء" (لوقا 24: 50-53).
تاريخ الاحتفال: يقع دائماً يوم خميس، بعد 40 يوماً من عيد الفصح.
نبذة: يُؤمن المسيحيون أن المسيح الآن "جالس عن يمين الآب"، حيث يشفع في البشرية. هو ليس غائباً، بل حاضر بشكل جديد وأكثر شمولاً. وقبل صعوده، أعطى المسيح تلاميذه "الإرسالية العظمى" بالكرازة والتعليم. الصعود يذكر المؤمن بأن عليه دوراً يجب أن يؤديه على الأرض بينما يرفع قلبه نحو السماء.
7- عيد العنصرة (Pentecost)
المناسبة: تذكار حلول الروح القدس على تلاميذ المسيح، ويُعتبر يوم تأسيس الكنيسة.
تاريخ الاحتفال: بعد 50 يوماً من عيد القيامة.
الحدث الكتابي: حدث ذلك في يوم الخمسين، حيث كان التلاميذ مجتمعين معاً، فحلّ عليهم الروح القدس بشكل ألسنة من نار وملأهم، مما مكّنهم من التحدث بلغات أخرى والبدء في رسالة التبشير "وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أعمال 2: 1-4).
نبذة: يُحيي العيد ذكرى حلول الروح القدس على تلاميذ المسيح ورسله أثناء اجتماعهم في "العلية" بمدينة القدس، حيث ظهرت فوق رؤوسهم ألسنة كأنها من نار، مما مكنهم من التحدث بلغات مختلفة لنشر البشارة. ويعتبر هذا اليوم "يوم ميلاد الكنيسة المسيحية"، حيث بدأ الرسل بعد هذا الحدث رسالتهم التبشيرية في العالم أجمع.
8- عيد التجلي (The Transfiguration)
المناسبة: تعني "تغيّر الهيئة" أو "التجلي"، وهي تشير إلى الحادثة التي ظهر فيها السيد المسيح بمجد إلهي أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل طابور.
تاريخ الاحتفال: يُحتفل بالعيد قبل 40 يوماً من عيد رفع الصليب، ليربط مجد التجلي بآلام الصلب.
الحدث الكتابي: صعد المسيح مع تلاميذه لجبل عالٍ، فتغيرت هيئته، وأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور، وظهر معه النبيان موسى وإيليا. (متى 17: 1-9)
نبذة: يرمز ظهور موسى وإيليا إلى أن المسيح هو غاية الناموس والأنبياء، ويهدف العيد لإظهار ألوهية المسيح قبل آلامه. ويعد هذا العيد فرصة للتأمل في مجد الله ودعوة للمؤمنين للارتفاع عن صخب العالم (الصعود إلى الجبل) للمعاينة الروحية.
9- عيد الصليب (أو عيد ارتفاع الصليب المقدس) (Feast of the Cross)
المناسبة: الاحتفال بالعثور على الصليب الحقيقي الذي صُلب عليه يسوع المسيح في القدس.
تاريخ الاحتفال:
14 سبتمبر: التاريخ الرئيسي والموحد لدى الكنائس الغربية والعديد من الكنائس الشرقية (مثل الروم الأرثوذكس والكاثوليك).
27 سبتمبر: تحتفل به الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (ويستمر لمدة 3 أيام).
نبذة: يعود أصل العيد إلى القرن الرابع الميلادي، حين توجهت القديسة هيلانة (والدة الإمبراطور قسطنطين) إلى أورشليم للبحث عن خشبة الصليب.
يُحيي العيد ذكرى ثلاثة أحداث تاريخية: اكتشاف الصليب عام 326م، وتكريس كنيسة القيامة عام 335م، واستعادة الصليب من الفرس في القرن السابع.
10- عيد البشارة (Annunciation)
المناسبة: تذكار تبشير الملاك جبرائيل للعذراء مريم بأنها ستحمل وتلد يسوع.
تاريخ الاحتفال: 25 مارس (حسب التقويم الغريغوري) و7 نيسان (حسب التقويم اليولياني) قبل الميلاد بـ 9 أشهر.
الحدث الكتابي: تم من خلال ظهور الملاك جبرائيل للعذراء مريم في الناصرة، ليعلن لها أنها ستلد ابناً من الروح القدس، وقبلت هي هذا التدبير قائلة "ليكن لي كقولك"."لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدتِ نعمة عند الله" (لوقا 1: 26-38).
نبذة: يُطلق عليه غالباً "نبع الأعياد"، لأن الكنيسة تعتبر أن حدث البشارة هو بداية خلاص البشرية وتجسد كلمة الله.
11- عيد انتقال العذراء
المناسبة: الاحتفال بانتقال مريم العذراء إلى السماء.
الكنيسة الكاثوليكية:
يُسمى "عيد انتقال العذراء" (Assumption of Mary).
يُحتفل به في 15 أغسطس (آب) من كل عام.
يُعتبر "عقيدة إيمانية" رسمية أعلنها البابا بيوس الثاني عشر عام 1950.
الكنائس الأرثوذكسية:
يُسمى "رقاد السيدة العذراء" (Dormition of Mary).
يُحتفل به أيضاً في 15 أغسطس.
يسبقه صيام مدته 14 يوماً (صوم السيدة العذراء) يبدأ من 1 أغسطس.
نبذة: يؤمن المسيحيون أن مريم العذراء، الطاهرة التي حملت المسيح، لم يترك الله جسدها ليرى فساداً في القبر، بل نُقلت بمجد عظيم إلى السماء (روحاً وجسداً). ويمثل العيد تأكيد على تكريم الله للإنسان وتطويبه للعذراء التي قالت: "هوذا منذ الآن تطوبني جميع الأجيال". (لوقا 1: 48)
البعد الديني والتراثي
تعتبر هذه الأعياد هي الركائز الأساسية للطقوس الدينية في الكنائس الكاثوليكية، الأرثوذكسية، والبروتستانتية، مع اختلاف بسيط في بعض التواريخ والتقاليد المتبعة.
إضافة إلى ذلك، تحتفل الكنائس بأعياد القديسين وأعياد محلية تختلف باختلاف الطوائف. وتمثل هذه الأعياد مناسبات للتأمل الروحي، ولمّ شمل العائلة، وممارسة الأعمال الخيرية، مما يعكس بعدها الديني والاجتماعي معًا.
ثانياً: الديانة الإيزيدية
المعتقدات
الديانة الإيزيدية ديانة توحيدية قديمة، تؤمن بالله الواحد وبالملائكة، ويُعدّ الملاك طاووس أبرزهم. وتعتمد الإيزيدية على التراث الديني الشفهي، وتركّز على القيم الأخلاقية والروحانية.
الطقوس الدينية
تشمل الطقوس أداء الأدعية، والصوم في أوقات محددة، وزيارة الأماكن المقدسة مثل معبد لالش، والاحتفال بأعياد تعبّر عن الارتباط بالطبيعة وبالخالق.
أهم الأعياد والمناسبات
الايزيديين لهم أعيادهم الخاصة التي تميزهم عن بقية الأديان والطوائف، والأعياد «الايزيدية» غالباً ما تعتمد على «التقويم الشرقي الشمسي» ومن هذه الأعياد:
• عيد رأس السنة الأيزيدية وهو عيد رأس السنة الشرقية. يقع هذا العيد في أول أربعاء من شهر نيسان الشرقي، حيث يتم في هذا اليوم حسب العقيدة الأيزيدية أن تسلم السلطة إلى الملك طاووس ليدير شؤون الدنيا. وهو من الأعياد المقدسة عند الأيزيديين. حيث في هذا اليوم يقوم الأيزيديون بسلق البيض وتلوينها بألوان الطبيعة حيث سلق البيض يدل على تجمل الأرض في ذلك اليوم وتلوينها يدل على الوان الطبيعة وينثر قشور البيض في الاراضي الزراعية للتبرك منها وعلى كل ايزيدي تعليق ولصق قشور البيض مع ورد نيسان الاحمر عند مدخل البيت في صباح يوم العيد. وهناك الكثير من يقوم بمساء يوم العيد بتقديم القربان بذبح الخرفان أو الدجاج ... والخ. وتقديم الغداء فيما بينهم.
• عيد الميلاد يقع هذا العيد في اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول الشرقي. وهو عيد ميلاد الشمس. ويقوم الناس بهذا العيد بإشعال النار في البيوت ونثر على النار التمر أو الزبيب وتؤكل بعد ذلك للتبرك بها. ومن الشعائر الأيزيدية في هذا اليوم هو أن يقوم كل يزيدي بالقفز من فوق النار ثلاث مرات.
• عيد مربعانية الصيف ومدة هذا العيد ثلاثة أيام ويبدأ من يوم 31 تموز – 2آب. ويسبق هذا العيد صوم لمدة أربعين يوما، حيث لا يفرض هذا الصوم على جميع الأيزيديين بأستثناء رجال الدين فهو واجب عليهم. وفي هذا العيد يقوم قسم من الايزيديين بالذهاب إلى مرقد الشيخ عدي حيث تقام هناك الاحتفالات والمراسيم الدينية.
• عيد الجما ومدة هذا العيد سبعة أيام، حيث يبدأ في الثالث والعشرين من شهر أيلول الشرقي وينتهي في الثلاثين منه. وفيه يذهب الأيزيديين إلى مرقد الشيخ عدي. ومن الطقوس التي تمارس في هذا العيد:
1- (القباغ (حيث يصعد الأيزيديون إلى الجبل المحيط بمرقد الشيخ عدي محتفلين بهذا اليوم ويعودون من الجبل. ثم يذبح ثورا كبيرا بهذه المناسبة ويطبخ.
2- (نصب تخت بري شباكي) يمثل هذا تخت عرش الشيخ عادي، وهذا التخت مصنوع من معدن البرونز الأصفر على شكل حلقات وعودان طويلان ومربع الشكل. وفي هذه المناسبة يعلن عن تعميد التخت حيث يتجمع ممثلين عن كافة العشائر الأيزيدية من أجل تنصيبه وتركيبه ويدعيهم الامير لنصبه وكل من يدفع مبلغ أكثر لخيرات المزار في معبد لالش هو من يقوم بنصبه وبعدها يقوم رجال الدين القوالين بأدعية دينية وحين أنتهاء الأدعية يقوم القوالين بالعزف على الدف والشباب وبعدها يقومون ممثلي العشائر بحمله الى حوض الكوكلي لغرض تعميده بماء الحوض الذي ينبع من عين البيضاء (كانياسپي) العين المقدس لدى الأيزيدين.
3- عين البيضاء (كانياسپي) على كل يزيدي ان يتعمد بماء عين البيضاء وحين ولادة الاطفال يحق لهم بعد الاربعيين يوم منذ الولادة بالقيام بتعميده متى يشاء. وهذا العين يعتبر من أقدس الاماكن في معبد لالش الذي يعتبر المعبد الرئيسي للأيزيديين في العراق والعالم والذي يحجون إليه من كافة الدول المتواجدين فيها.
• عيد صوم ايزي يصادف هذا العيد الجمعة الأولى من شهر كانون الأول الشرقي. ويسبق هذا العيد صوم لمدة ثلاثة أيام يسمى (صوم ايزي) وفيه يمتنع الايزيديين عن الأكل من الشروق وحتى الغروب. ثم يأتي العيد حيث تقام الأفراح. وتتبادل الزيارات لتقديم التهاني بهذه المناسبة.
البعد الديني والتراثي
تقدّس الإيزيدية عناصر الطبيعة مثل الشمس والماء والأرض باعتبارها تجليات للخالق. وتمثل الأعياد فرصة لتجديد العلاقة الروحية مع الله والطبيعة، والحفاظ على الهوية الجماعية، وتعزيز الروابط الاجتماعية من خلال الصدقات وزيارة القبور وتبادل الطعام.
ثالثاً: الصابئة المندائية
تعتبر المندائية من أقدم الديانات الموحدة والتي تؤمن بإله الواحد ، معبود مستقل ومبعوث من ذاتهِ، أما أصل الصابئة لغوياً فهي مشتقة من الفعل الآرامي المندائي (صبا) أي غطس او أرتمس ، تعمدّ في الماء الجاري، والمندائيون مشتقة من الفعل الآرامي ( دا ) والتي تعني العالم - العارف - فيكون معنى الصابئة المندائيين – الصابغون العارفون بدين الحق.
موطن الصابئة المندائيين هو العراق ( بلاد ما بين النهرين ) ويعيشون على ضفاف نهري دجلة والفرات لما للماء والطهارة من أهمية في حياتهم الدينية والروحية، وهم جزء من سكان العراق الاوائل عبر تاريخه الحضاري ، وأمتدت ديانتهم إلى أماكن أخرى غير وادي الرافدين منها فلسطين والشام ومصر والأردن وأيران.
كتابهم المقدس:
الكنزا ربا العظيم : وهو كتاب الروحي المقدس ، وهو فعلاً كنز لما يحتوي من مفاهيم وكلام الرب العظيم . وقد انزل هذا الكتاب عن طريق الملاك جبريل (هيبل زيوا) الرسول على الأنبياء ( ادم وشيتل وسام ودنانوخت – ادريس – ويهيا يهانا ) مباركة أسماؤهم . اذ يحوي على الاسفار المتعلقة بخلق الله للعوالم النورانية (الجنة) والاكوان والأرض والشرائع الإلهية والتعاليم الروحية والنصائح والامثال والحكم التي تناسب البشر في كل الأزمنة ويسمى هذا القسم الأيمن.
اما القسم الايسر ( كنزا سمالا ) وهو مجموعة تراتيل تخص الموت وعلى مجموعة من القصص الخاصة برجوع وعروج النفس الى موطنها الأصلي الذي نزلت منه (عالم النور).
المعتقدات
يؤمن الصابئة المندائيين برب خالق الاكوان منزه عن السيئات مقيم في ملكوتهِ الحي وهو غير محدود وازلي في كينونتهِ ليس له حدود في صفاتهِ ، والايمان بان هذا العالم جزء بسيط وصغير جداً من خلق الخالق العظيم ، والايمان بأن هنالك معركة ما بين الخير والشر في هذه الحياة ولابد للخير ان ينتصر من خلال الايمان والتقوى ومحبة الله ومخافتهِ ، الايمان بوجود الحياة الأخرى وبان الانسان يجب ان يحاسب على اعمالهِ وعبادتهِ عند وفاتهِ وفي امكان خاصة تسمى المطهرات من قبل الله سبحانهِ فهو القاضي والديان الذي يحاسب الانفس عند خروجها الى موطنها السماوي، الايمان بالمعرفة لأنها طريق الموصلة الى رب الوجود ، الايمان بأنبياء الله الذين هم رسل ومعلمون على هذه الأرض وجاءوا برسالة من السماء من اجل انقاذ البشر من شباك الضلال وهدايتهم الى طريق الخير والصلاح.
الطقوس الدينية
• التعميد ( الصباغة ): قد وردت هذه الكلمة في القران الكريم (صبغة الله ومن احسن من الله صبغه) و وردت على لسان السيد المسيح بقولهِ للنبي يحي بن زكريا عليهم السلام ( وبالصبغة التي بها تصبغ اصبغني ) ويعد الركن الأساسي وهو فرض و واجب على كل صابئي ليكون صابئياً ومندائياً ويهدف الى فتح باب الخلاص والتوبة وغسل الذنوب والخطايا والتقرب الى الله ، ويجب ان يتم في الماء الجاري ويوم الاحد لأن الاحد هو رأس الأيام ( هاد شبا – اول السبعة) ومبارك كون الله العلي بدأ الخلق فيهِ والتعميذ بدأ في عوالم النور العليا حيث تعمدت الملائكة وانزل التعميد الى الأرض عن طريق الملاك جبريل الرسول ( هيبل زيوا ) حيث عمد ادم وحواء واصبح سنة لأدم وذريته من بعدهِ.
• الصلاة: جاء في كنزا ربا ( الصحف الأولى عن جبريل الرسول يقول لادم علية السلام جلست اليه وعلمتهِ ما حملني ربي علمتهِ الحكمة والتسبيح ان قم اسجد وسبح للحي العظيم ثلاث فترات في النهار وفترتين في الليل وامرناكم ان اسمعوا صوت الرب في قيامكم وقعودكم وذهابكم ومجيئكم وفي ضجعتكم وراحتكم وفي جميع الاعمال التي تعملون) ، ويسبق الصلاة الوضوء ( الرشامة ) أي رسم كل أجزاء الجسد بالماء الجاري النظيف ويرافق ذلك قراءة على كل عضو من الجسد مثل غسل الوجه (مبارك ومبسح اسمك يا حي مبارك ذي السيماء العظيم الموقر الاله الذي انبعثت من ذاتك) او غسل الفم ( ليمتلئ فمي بالصلوات والتسبيحات ) او غسل الاذنين ( اذناي تسمعان لأقوال الحي ) او الركبة ( ركبتاي ساجدتان للحي العظيم ) وهكذا باقي أعضاء الجسد ويجب ان يكون المصلي طاهر الجسد ، لابساً البياض ، واضعاً غطاء الراس.
• الصيام: وهو نوعان
1- الصيام الكبير ( صوم ربا ) :وهو الامتناع عن كل الفواحش والمحرمات وكل ما يسيء الى علاقة الانسان بربهِ ويدوم طيلة حياة الانسان على هذه الأرض.
2- الصيام الصغير: هو الامتناع عن تناول لحوم الحيوانات وذبحها ( أي الامتناع عن اكل شيء ذي روح ) ومدتهِ (36 ) يوم متفرقة الى أيام السنة.
الأعياد وطقوسها
1- البنجة او البرونايا ( الأيام البيضاء ): عيد الخليقة العلوي ( وهي ذكرى خلق وتكوين عوالم النور والارواح الاثيرية الأولى وفيها تفتح بوابات النور وتنزل الملائكة والارواح الطاهرة فيعم نورها الأرض لتصبح جزءاً من عالم النور وتعد هذه الأيام اسرار البداية المقدسة وفجر الحياة الأولى التي اوجدها التحي العظيم ومدتهِ (5) ايام.
2- عيد التعميد الذهبي ( دهفا ديمانا ) : وهو هبة الله سبحانة وتعالى للملائكة حيث تعمدوا في عوالم النور العليا واهديت لادم وذريته من بعدهِ حيث عمدة الملاك جبريل الرسول وفي هذا اليوم تعمد النبي يحيى بن زكريا ويجب على الفرد المندائي ان ينال التعميد بعد (30) يوم من ولادتهِ اذ يعد هذا الطقس ولادة روحية له ليكون مندائياً ومدتهِ يوم واحد.
3- عيد الخليقة المادي ( العيد الكبير – دهوا رب) وفيه نجدت الكواكب في السماء والشمس والقمر وجمدت الأرض ورفعت كل في مدار هذا الخلق في ستة أيام ، ويعد بداية للسنة المندائية.
4- عيد الازدهار ( العيد الصغير – دهوا هنينا ) وفيه نزل الملاك جبريل الرسول وقيد الشر والشياطين الذين يعبثون في الأرض فساداً ودماراً وبأمر الحي العظيم شقت الأنهار وزرعت النباتات وهيأت الأرض من كل شيء لأجل خلق ادم وحواء.
مقارنة عامة بين الديانات الثلاث
طبيعة الأعياد
• المسيحية: ترتبط الأعياد بأحداث من حياة السيد المسيح.
• الإيزيدية: تتصل الأعياد بالطبيعة، والصوم، وتجدد الحياة.
• الصابئة المندائية: تدور الأعياد حول الخلق، والنور، والماء، والتطهير الروحي.
الدور الاجتماعي
تشترك الديانات الثلاث في جعل الأعياد مناسبات للتكافل الاجتماعي، ولمّ شمل العائلة، وتوزيع الصدقات، وتذكر الموتى.
التقويم الديني
تعتمد المسيحية على التقويم الميلادي أو اليولياني، بينما تمتلك الإيزيدية والصابئة المندائية تقاويم خاصة، مما يجعل تواريخ أعيادها مختلفة.
الخلاصة
تعد الأعياد الدينية لدى المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين مناسبات روحية وثقافية واجتماعية ذات أهمية كبيرة، إذ لاتقتصر على كونها أياماً للأحتفال فحسب، بل تمثل رموزاً راسخة للهوية الدينية والإرث الحضاري.
وعلى الرغم من اختلاف العقائد والطقوس، فإن هناك تشابهاً واضحًا في بعض الممارسات، كالصوم، والصدقة، وزيارة الموتى، ولم شمل العائلة، مما يعكس جذوراً حضارية مشتركة في منطقة بلاد الرافدين، ويسهم في ترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة.
وفي الختام نتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من أسهم في إنجاز هذا التقرير، لما قدموه من معلومات وإيضاحات قيمة كان لها الأثر البالغ في استكماله بالصورة المطلوبة. ونخص بالذكر كل من :
• السيد الوكيل الديني والثقافي (داسن سليمان سفو).
• السيد مدير عام دائرة شؤون الصابئة المندائية (رأفت جاسب مهاوي).
• السيد مدير قسم الإعلام (مارتن هرمز داود).