أصحاب الأُخدود.. شهداء عقيدة.. 

د. وسن حسين محيميد

جامعة بغداد/ كلية التربية للبنات - قسم التأريخ

 1 آذار 2009

 

"أصحاب الأخدود شُهداء عقيدة"

مكان القصة:-

   القصة وقعت في مدينة نجران وهي من مخاليف اليمن من ناحية مكة المكرمة بناها نجران بن زيدان بن سبأ بن يشجب، ولما انتشرت الديانة اليهودية في عهد الدولة الحميرية الثانية وعلا  شأنها في أوائل القرن السادس الميلادي، لجأ أخر ملوك حمير وهو ذو نواس الذي كان متعصباً لليهودية إلى استعمال العنف ضد المسيحيين محاولة منه أرغامهم على ترك ديانتهم وإجبارهم على اعتناق الديانة اليهودية.

 

  أصحاب الأخدود في القرآن الكريم والحديث النبوي:- ورد ذكر القصة في القرآن الكريم في سورة البروج(الآية 4-9)لقوله تعالى:

  "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهودٍ قُتِلَ أصْحَابُ ألأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلْيهَا قُعُودُ وَهُمْ عَلَى مَايَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنينَ شُهُودُ وَمَانَقَمُوا مِنْهُمْ الَّاأنَّ يُؤمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيز الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ وَاللهُ عَلى كُلَّ شَيْءٍ شَهِيدُ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِين وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يِتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ".

   وعنهم قال الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم): "القرى المحفوظة أربع مكة والمدينة وإيليا ونجران، وما من ليلة الا وينزل على نجران سبعون ألف ملك، يسلمون على أصحاب الأخدود ثم لايعودون إليها أبدا".

 

أحداث القصة:-

   تدور القصة حول فتى ملئ الايمانُ قلبه، فجعل حياته فداءاً لعقيدته، وكان سبباً لهداية قريته. لقد كان غلاماً فطناً قبل أن يؤمن ويرى طريق النور. عاش هذا الغلام في قرية ملكها له ساحر يستعين به، وعندما تقدم العُمر بالساحر، طلب من الملك أن يبعث له غلاماً يعلمه السحر ليحل محلهُ بعد موته. فأختير هذا الغلام وأُرسل للساحر. وبينما هو في طريقه الى الساحر ليتعلم منه كان يمر على راهبٍ فيجلس معه ويستمع لكلامه الذي أعجبه، فصار يجلس إلى الراهب في كل مرة يذهب فيها لتعلم السحر، و كان الساحر يضربه إن لم يحضر فشكى حاله إلى الراهب. فقال له الراهب: إذا خَشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.

   وفي احد الأيام وهو في طريقه، فإذا بحيوان عظيم يسدّ طريق الناس. فقال الغلام في نفسه اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب. فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتلُ هذا الحيوان حتى يمضي الناس فرماه فقتله ومضى الناس فأتى الراهب وأخبره  بما حدث. فقال له الراهب: يابني أنت اليوم أفضل مني، وأنك ستبتلى، فإذا أبتليت فلا تدلّ علي ّ.

   وكان الغلام بمشيئة الله يبرئ الأكمه والأبرص ويعالج الناس من جميع الأمراض. فسمع به أحد جلساء الملك، وكان قد فقد بصره. فأعد هدايا كثيرة وتوجه بها إلى الغلام. فقال له أعطيك جميع هذه الهدايا إن شفيتني. فأجاب الغلام: أنا لاأشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فان أنت أمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن جليس الملك، فشفاه الله تعالى. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك قال: ربي، قال: ولك ربُ غيري قال: ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام. فأمر الملك باحضار الغلام، ثم قال له: يابني، لقد تمكنت من السحر حتى صرت تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل. فقال أني لااشفي أحدا إنما يشفي الله، فأمر الملك بتعذيبه حتى دل على الراهب. فأحضر الراهب وقيل له: أرجع عن دينك، فأبى ذلك فجيئ بمئشار ووضع على مفرق رأسه، ثم نشر فوقع نصفين. ثم أحضر جليس الملك، وقيل له: ارجع عن دينك فأبى ففعل به مافعله بالراهب. ثم جيئ بالغلام وقيل له: ارجع عن دينك. فأبى ذلك..

فأمر الملك جنوده بأخذ الغلام إلى قمة جبل ورميه منه، فاخذ الجنود الغلام وصعدوا به الجبل، فدعى الغلام ربه: اللهم اكفينهم بما شئت. فأهتز الجبل وسقط الجنود ورجع الغلام يمشي إلى الملك. فقال الملك: أين من كان معك؟ فقال: كفانيهم الله فأمر الملك جنوده بأخذ الغلام في سفينة، والذهاب به إلى وسط البحر وتخييره هناك إما الرجوع عن دينه أو إلقاءه بالبحر. فذهبوا به وهناك دعى الغلام ربه قائلاً: اللهم أكفينهم بما شئت، فأنقلبت السفينة وغرق من فيها إلا الغلام. وعاد الغلام إلى الملك، فسأله بأستغراب: أين من كان معك؟ فأجاب الغلام: كفانيهم الله تعالى. ثم قال للملك: انك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما امرك به. قال: وماهو؟ فقال الفتى أن تجمع الناس في مكان واحد وتصلبني على جذع ثم تأخذ سهماً من كنانتي وتضعه في القوس، وتقول:"بسم الله ربّ الغلام" ثم ارمني، فأن فعلت ذلك قتلتني. فأمر الملك على الفور بجمع الناس، وصلب الغلام أمامهم ثم اخذ سهماً من كنانته ووضعه في القوس، وقال: "بسم الله ربّ الغلام"، ومن ثم رماه فأصابه فقتله. فهتف الناس بأعلى صوتهم: أمنا برب الغلام أمنا برب الغلام. فقدم أصحاب الملك إليه وقالوا له: ارأيت ماكنت تحذر ها قد نزل بك فقد امن الناس فأمر الملك بحفر أخدود في الأرض وأضرم فيه النيران وأمر جنوده بان يلقوا في النار كل من يتمسك بدينه. ففعل الجنود ما امرهم به، حتى جاء دور امرأة ومعها صبي لها، فخافت أن تُرمى في النار. فألهم الله الصبي أن يقول لها: ياأُماه اصبري فانك على الحق.

 

 

خلاصة القصة:-

  إن كل مايمكن أن يقال بحق هؤلاء المؤمنين الذين عُرفوا بأصحاب الأخدود نسبة لأخدود النار الذي القوا فيه، لايعد شيئاً أمام ماقالهُ الله بحقهم وهل بعد قول الله من قول، هم أُناسُ عُقدت قلوبهم على الأيمان ونطقت أفواههم بوحدانية الله وجعلوا من أجسادهم وقوداً فداءً لعقيدتهم، فزادهم اللهُ صبراً وثباتاً وكان حقاً عليه أن يكرمهم ويجعلهم مضرباً للأمثال لأممٍ جاءت من بعدهم، فكانوا حقاً شهداء الحب الإلهي. فشجاعة غلامٍ كانت سبباً لإنارة عقول قرية بكاملها، ومن منا يملك تلك الشجاعة ليقف بوجه الظالم ويقول له: أن إرادة الله هي الأقوى.فما أعظم الإنسان أن يعيش من أجل مبدأٍ في الحياة والأعظم منه أن يموت في سبيله، وبموته هذا سوف يحيا من جديد وسيكون خالداً في ضمير التأريخ والإنسانية.

 

المصادر

 1-النيسابوري،مسلم بن الحجاج،صحيح مسلم،تحقيق:محمد فؤاد،ج2،بيروت-لا.ت.  

  2-المسعودي،أبوالحسن علي بن الحسين،مروج الذهب ومعادن الجوهر،تحقيق:محمد محي الدين عبد الحميد،القاهرة-1938.

   3-القزويني،زكريا بن محمد،أثار البلاد وأخبار العباد،بيروت-1960.                    

 
 

-------------------------------------

---------------------------